بين يافا والقدس.. تاريخ مُستلب وعبادة ‘منقوصة’

رحمة حجة

الآن، تمام الثانية والنصف صباحًا، أتمشى في باحات المسجد الأقصى، بين آلاف المصلين الذين جاؤوا من كل مكان قاصدين لدعائهم حسن الاستجابة في ما يُعتقدُ أنها “ليلة القدر”، منهم النائم والذي يجلس إلى جانب أكوام من النفايات أو أكوام من الطعام، وآخرون من متطوعين شباب يوزعون الماء والطعام ويجمعون القمامة، والباقي يستديرون إلى القبلة يؤدون الصلاة خلف الإمام.

يمرّ الوقت بسرعة، والكاميرا كما عينيّ ما زالت مُضاءة. إذ أحاول بمتابعة التصوير طرد النعاس، كي لا أنام وحيدة وسط أناس لا أعرفهم، ولا أطمئن إلى بعضهم، وإن كنتُ أؤمن بقداسة المكان لا أؤمن أن القلوب سواء في طهارتها.

ولا أصدق أني كنت قبل ساعات في يافا، وأني استنشقت نسيمها وتمرغت قدماي في ماء بحرها وغرقتا في الزبد. وأصوّر وأستذكر.. وليت كلّ ما شعرته في يافا كان سعيدًا، وليتني أستطيع التحكم بذاكرتي فأختار منها ما أشاء للزمن القادم.

ولا فرق بين يافا والقدس، سوى أن الأولى يملؤها الإسرائيليون الذي يعيشون على أنقاض بيوتها القديمة المطرود منها أهاليها، والثانية محاطة بهم أنفسهم، لكن بلباس عسكري، ولا يفرّق اللباس بين نفوسهم في نظري، فكلهم يتمنون موتنا جميعًا كي يستأثروا بكل البلاد.

وها هم ينتشرون على شواطئها، وفي المطاعم التي تقطع أنفاس مراكب الصيادين، الذين ما عادوا يرون سوى سمك السردين في موسمه (تشرين أول/ أكتوبر) كما أخبرنا عضو الشبيبة اليافية رامي الصايغ، الذي رافقنا مع زميلته أمل سالم خلال جولة قصيرة في شوارع يافا، بتنسيق مع مجموعتي “تجوال سفر” و “كزدورة وصورة” اللتين تجوبان المناطق الفلسطينية وتوثقان ذاكرتها بالكتابة والصور بمصاحبة المتعة والمعرفة معًا، تلكما اللتان يكتسبهما المتجولون.

والبلدة القديمة في يافا تألفت من 40 حارة، كما يقول الصايغ، لكنها الآن اختُصرت في حارة واحدة، ويضيف بشكل يفاجئ ذهني الذي يفكر في جمالية المشهد أعلى الدرج المحاذي لجامع البحر “نحن نقف على ركام بيوت إحدى الحارات وكل هذه الأشجار والمباني أقيمت حديثًا لتخفي آثار الجريمة”، ويربكني الخيال ويحضرني بيت شعر وإن كان فيه من الحكمة، يحمل في يافا معنى مغايرًا للوجع “خَففِ الوَطءَ مَا أَظن أديمَ الأ رض إلا من هذه الأجساد”.

نمشي قليلًا بعد نهاية الدرج، لنلتقي بــ”السراي العثماني” الذي يضم إلى جانبه مصنع صابون لعائلة الدمياني، وكانت على بوابته صورة للعائلة إلى جانبه تثبت ملكيته، لكن الإسرائيليين أزالوها كما أوضح الصايغ.

ومحطتنا الأخيرة كانت دوار الساعة، الذي يعود إلى العهد العثماني أيضًا، ويوجد به برج الساعة، ويماثل الموجود في مدينة نابلس، فهما اثنان من سبعة، أقيمت في مدن (حيفا، صفد، الناصرة، عكا، القدس) عام 1901 احتفالًا في حينه بمرور 25 عامًا على اعتلاء السلطان عبد الحميد الثاني عرش الدولة العثمانية.

الساعة الخامسة صباحًا، والفجر يطلّ علينا ويضيء المكان الذي التجأت إليه كي أنام دقائق، والرجال بدأوا التوافد على قبة الصخرة، والمشهد يغلب عليه النعاس بين النساء، والرحيل لمن أتمّوا صلاة الفجر واكتفوا من القدس، ولا أستطيع السير أكثر من أجل تصوير مشهد أراه لأول مرة هنا، لكني أستطيع البحث عن مكان أكثر ملاءمة لنوم أعمق قليلًا، كي أرتاح.

نشر بتاريخ 10-08-2013 :: 09:36 AM في وطن للأنباء

Categories: Uncategorized | Leave a comment

Post navigation

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out /  Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out /  Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out /  Change )

Connecting to %s

Create a free website or blog at WordPress.com.

%d bloggers like this: